ابن أبي الحديد

314

شرح نهج البلاغة

الشرح : الفالج : الظافر الفائز ، فلج يفلج ، بالضم ، وفي المثل : " من يأت الحكم وحده يفلج " . والياسر : الذي يلعب بالقداح ، واليسر مثله ، والجمع أيسار . وفي الكلام تقديم وتأخير ، تقديره : كالياسر الفالج ، أي كاللاعب بالقداح المحظوظ منها ، وهو من باب تقديم الصفة على الموصوف ، كقوله تعالى : ( وغرابيب سود ) ( 5 ) ، وحسن ذلك هاهنا أن اللفظتين صفتان ، وإن كانت إحداهما مرتبة على الأخرى . وقوله : " ليست بتعذير " ، أي ليست بذات تعذير ، أي تقصير ، فحذف المضاف ، كقوله تعالى : ( قتل أصحاب الأخدود النار ) ( 2 ) أي ذي النار . وقوله : " هم أعظم الناس حيطة " كبيعة ، أي رعاية وكلاءة ، ويروى ، " حيطة " ، كغيبة ، وهي مصدر حاط ، أي تحننا وتعطفا . والخصاصة : الفقر ، يقول : القضاء والقدر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر ، أي مبثوث في جميع أقطار الأرض إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان ، في المال والعمر والجاه والولد وغير ذلك . فإذا رأى أحدكم لأخيه زيادة في رزق أو عمر أو ولد وغير ذلك ، فلا يكونن ذلك له فتنة تفضي به إلى الحسد ، فإن الانسان المسلم إذا كان غير مواقع لدناءة وقبيح يستحيى من ذكره بين الناس ، ويخشع إذا قرع به ، ويغري لئام الناس بهتك ستره به ، كاللاعب بالقداح ، المحظوظ منها ، ينتظر أول فوزة وغلبة من قداحه ، تجلب له نفعا ، وتدفع عنه ضرا ، كذلك من وصفنا حاله ، يصبر وينتظر إحدى الحسنيين ، إما أن يدعوه الله فيقبضه إليه ، ويستأثر به ، فالذي عند الله خير له . وإما أن ينسأ في أجله ، فيرزقه الله أهلا ومالا ، فيصبح وقد اجتمع له ذلك مع حسبه ودينه ومروءته المحفوظة عليه . ثم قال : " المال والبنون حرث الدنيا " وهو من قوله سبحانه : ( المال والبنون

--> ( 1 ) سورة فاطر 27 ( 2 ) سورة البروج ، 5